كلمة الرئيس الزُبيدي.. رسائل النفير الجنوبي واختبار العلاقة مع الرياض

منارة عدن/ مريم بارحمة
جاءت كلمة الرئيس القائد عيدروس بن قاسم الزُبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي العربي القائد الأعلى للقوات المسلحة الجنوبية، بمناسبة الذكرى الثالثة والستين لثورة الرابع عشر من أكتوبر المجيدة، حاملةً رسائل سياسية وعسكرية وشعبية تتجاوز الاحتفاء بالمناسبة الوطنية، لتؤكد تمسك المجلس الانتقالي الجنوبي العربي بقضية شعب الجنوب، وضرورة تعزيز وحدة الصف، ورفع الجاهزية، وإسناد القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، إلى جانب تثبيت حضور الجنوب في أي تسوية سياسية تتعلق بمستقبله.
وتأتي الكلمة في مرحلة تتداخل فيها التحديات الأمنية مع الاستحقاقات السياسية، وسط ترقب لمواقف الأطراف الإقليمية والدولية من قضية الجنوب وموقع ممثليه في أي ترتيبات مقبلة. وفي هذا السياق، أعاد الرئيس القائد وضع التعبئة الشعبية في صدارة أولويات المرحلة، باعتبارها أحد مسارات إظهار التماسك الداخلي والتأكيد على تمسك الجنوبيين بتطلعاتهم الوطنية.
واكتسب ظهور الرئيس الزُبيدي مجددًا في المشهد العلني أهمية سياسية، إذ أعاد توجيه الاهتمام إلى مواقف القيادة الجنوبية وأولوياتها، في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول مستقبل العلاقة مع الأطراف الإقليمية، وإمكانية فتح مسارات سياسية أكثر وضوحًا بشأن قضية الجنوب.
_التعبئة الشعبية.. رسالة تمسك بالإرادة الجنوبية
برزت التعبئة الشعبية في صلب الرسائل التي حملتها الكلمة، من خلال الدعوة إلى توحيد الموقف الجنوبي، وتعزيز الالتفاف حول القيادة السياسية والقوات المسلحة الجنوبية، والاستعداد للتعامل مع متطلبات المرحلة. وتعكس هذه الدعوة توجه المجلس الانتقالي الجنوبي العربي إلى إبقاء الحضور الشعبي عنصرًا مؤثرًا في المشهد السياسي، خصوصًا مع اقتراب ذكرى وطنية تحمل دلالات تاريخية في الوعي الجنوبي.
وتتجاوز التعبئة، مجرد الحشد الجماهيري؛ فهي وسيلة لإيصال رسالة إلى الداخل والخارج بأن قضية الجنوب ما زالت حاضرة في وجدان شعب الجنوب، وأن المطالب المرتبطة بمستقبله لا يمكن تجاوزها في أي ترتيبات سياسية. وتمثل مناسبة لتجديد الدعوة إلى توحيد الصفوف، والابتعاد عن المناكفات التي قد تضعف الموقف الجنوبي في مواجهة التحديات.
وفي هذا الإطار، تتجه الأنظار إلى مليونية التعبئة الشعبية العامة المقررة يوم 14 أكتوبر 2026م، التي دُعي أبناء الجنوب العربي إلى المشاركة فيها والاحتشاد السلمي في العاصمة عدن وعموم محافظات الجنوب، تعبيرًا عن تمسكهم بقضيتهم الوطنية ودعمهم للقيادة السياسية.
_القوات المسلحة الجنوبية.. الجاهزية وحماية الأرض
احتلت القوات المسلحة الجنوبية والأجهزة الأمنية موقعًا محوريًا في مضمون الكلمة، مع التأكيد على أهمية الجاهزية واليقظة في مراكز القيادة والسيطرة والجبهات الحدودية، وتعزيز التنسيق الميداني، والاستعداد لمواجهة التهديدات التي تستهدف أمن الجنوب واستقراره.
وتبرز هذه الرسائل في ظل استمرار المخاوف من التهديدات الحوثية، وما تفرضه من ضرورة رفع مستوى الاستعداد العسكري والأمني. كما تؤكد أهمية إسناد القوات المرابطة في مواقعها، وتقدير التضحيات التي يقدمها المقاتلون الأبطال في سبيل حماية الأرض وتأمين الجبهات.
ووجّه الرئيس القائد عيدروس تحية تقدير إلى المرابطين في الخطوط الأمامية، مشيدًا بتضحياتهم، وفي مقدمتهم أبناء قبائل الصبيحة. وتحمل هذه الإشادة دلالة على أهمية الدور الذي تؤديه القوات الجنوبية ومساندوها في حماية المواقع والجبهات، وعلى ضرورة استمرار التنسيق بين المؤسسات العسكرية والأمنية والحاضنة الشعبية.
وتظل الجاهزية الميدانية، إلى جانب التماسك الداخلي، من أبرز الملفات التي تفرضها المرحلة، خصوصًا مع ارتباط الأمن والاستقرار بقدرة المؤسسات المعنية على حماية المواطنين والتعامل مع المخاطر بعيدًا عن الارتباك والانقسام.
_مواجهة الشائعات وحماية الجبهة الداخلية
لم تقتصر رسائل الكلمة على الجوانب العسكرية، بل امتدت إلى أهمية التصدي للشائعات والمعلومات المضللة التي قد تستهدف الجبهة الداخلية أو تثير الخلافات بين الجنوبيين. ففي أوقات التوتر السياسي والأمني، تصبح دقة المعلومات ومسؤولية تداولها عاملين مؤثرين في الحفاظ على الاستقرار والثقة العامة.
ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى استقاء الأخبار من مصادر موثوقة، وعدم الانجرار وراء الحملات غير المؤكدة، مع إبقاء الخلافات السياسية ضمن الأطر التي لا تمس أمن المجتمع أو تضعف التماسك الداخلي.
ويمنح هذا الجانب التعبئة الشعبية بُعدًا إضافيًا، إذ لا يرتبط الاصطفاف بالمشاركة في الفعاليات وحدها، بل يشمل أيضًا المسؤولية في تداول المعلومات، والحفاظ على السلم الأهلي، وتجنب الخطابات التي توسع الانقسامات في لحظة تتطلب قدرًا أكبر من التفاهم.
_مليونية 14 أكتوبر امتداد لرمزية الثورة
تكتسب مليونية التعبئة الشعبية العامة المقررة في 14 أكتوبر 2026م، أهمية خاصة لتزامنها مع الذكرى الثالثة والستين لثورة الرابع عشر من أكتوبر، التي تمثل محطة بارزة في التاريخ الوطني الجنوبي. وتربط الدعوة إلى الحشد بين رمزية الثورة وتطلعات الحاضر، عبر التأكيد على قضية الجنوب ومطالب شعبه السياسية.
وتتجه الدعوات إلى مشاركة واسعة من المهرة شرقًا إلى باب المندب غربًا، في مشهد يراد له أن يعكس اتساع الحضور الشعبي وتنوعه الجغرافي، وأن يبعث برسالة بشأن استمرار التمسك بقضية الجنوب ودعم القوات المسلحة الجنوبية والقيادة السياسية.
وقد شهدت مدن بالجنوب، بينها العاصمة عدن والمكلا وسيئون والضالع وردفان، فعاليات واحتفالات مرتبطة بالمناسبة، وفق ما تداولته بعض وسائل الإعلام. وتأتي هذه التحركات في سياق الاستعداد للمليونية المرتقبة، وما تحمله من رسائل سياسية وشعبية.
وتبقى قيمة الحشد مرتبطة، إلى جانب حجم المشاركة، بقدرته على التعبير السلمي والمنظم عن المطالب، وتعزيز التماسك الداخلي، وإبراز تطلعات الجنوبيين بصورة واضحة أمام الأطراف المحلية والإقليمية والدولية.
_المجلس الانتقالي الجنوبي.. تثبيت الحضور في أي تسوية
على الصعيد السياسي، تؤكد الرسائل الواردة في كلمة الرئيس القائد عيدروس أهمية مشاركة الجنوب في أي مفاوضات أو تسويات تتصل بمستقبله، ورفض اتخاذ قرارات تتعلق بقضيته من دون حضور ممثليه. ويأتي هذا الموقف في إطار سعي المجلس الانتقالي الجنوبي العربي، بقيادة الرئيس القائد عيدروس الزُبيدي، إلى تثبيت موقع قضية الجنوب ضمن الملفات المطروحة على طاولة الحوار السياسي.
وتتمثل المسألة الأساسية هنا في طبيعة المشاركة الجنوبية وحدودها: هل ستكون مشاركة فعلية تتيح التأثير في القرارات المتعلقة بمستقبل الجنوب، أم ستظل حضورًا محدودًا لا يضمن معالجة المطالب المطروحة؟ وهو سؤال يرتبط بمسار التسوية نفسه، وبمدى استعداد الأطراف المعنية للتعامل مع قضية الجنوب بوصفها ملفًا سياسيًا له مطالبه وممثلوه.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية توحيد الموقف الجنوبي وتحديد الأولويات، بما يعزز قدرة المجلس الانتقالي على عرض مطالبه بوضوح، وإدارة الحوار بشأنها، والدفاع عن مشاركة جنوبية مؤثرة في أي ترتيبات مقبلة.
_الإعلان الدستوري أحد الملفات المطروحة سياسيًا
برزت المطالبة بالاعتراف بالإعلان الدستوري المعلن مطلع يناير ضمن الملفات المرتبطة بالموقف السياسي للمجلس الانتقالي الجنوبي العربي. وتعكس هذه المطالبة رغبة في نقل المواقف المعلنة إلى مساحة أوسع من النقاش السياسي، وطرحها أمام الأطراف المعنية بمستقبل الجنوب.
ويظل الاعتراف بهذا الإعلان مسألة سياسية تحتاج إلى مواقف واضحة من الجهات المعنية، ولا يمكن اعتبارها أمرًا متحققًا من دون إعلان رسمي أو خطوات موثقة. لكن طرح الملف ضمن الرسائل السياسية يعكس استمرار تمسك المجلس الانتقالي بمطالبه، وسعيه إلى إدراجها في أي حوار يتناول مستقبل الجنوب.
ومن هنا، تتصل أهمية هذا الملف بمسألة أوسع، تتمثل في كيفية التعامل مع تطلعات الجنوبيين وضمان ألا تُحسم ترتيبات مستقبلهم بمعزل عن ممثليهم. فالتسويات المستدامة تحتاج إلى معالجة القضايا الجوهرية، لا الاكتفاء بتفاهمات مؤقتة تترك أسباب الخلاف قائمة.
_رسائل إلى الرياض.. بين التضامن الأمني والخلاف السياسي
تفتح الكلمة مجالًا لقراءة طبيعة العلاقة مع المملكة العربية السعودية، خصوصًا في ضوء التأكيد على الشراكة السياسية للجنوب والتضامن في مواجهة التهديدات الحوثية. ويمكن فهم هذه الإشارات باعتبارها تأكيدًا على أهمية إبقاء قنوات الحوار مفتوحة، مع طرح المطالب الجنوبية بصورة واضحة.
ويبرز هنا مساران متوازيان: الأول يتعلق بالتعامل مع المخاطر الأمنية المشتركة، والثاني يرتبط بمستقبل قضية الجنوب وموقع ممثليه في أي تسوية سياسية. ولا يعني التقاطع في بعض الملفات الأمنية بالضرورة انتهاء الخلافات السياسية؛ إذ تظل معالجة هذه الخلافات مرتبطة بالمواقف العملية ومدى الاستجابة للمطالب المطروحة.
ومن هذا المنطلق، يتمثل الاختبار السياسي في مدى استعداد الرياض والأطراف المعنية للتعامل مع قضية الجنوب عبر حوار واضح يضمن مشاركة ممثليه، ويتيح مناقشة الملفات العالقة بصورة مباشرة. أما احتمال أن تكون الرسائل الأخيرة نتيجة تفاهمات سعودية إماراتية مسبقة، فلا يمكن الجزم به من دون مؤشرات موثوقة أو تصريحات رسمية تؤكده.
وبذلك، تظل العلاقة مع الرياض أحد الملفات المهمة التي ستتضح اتجاهاتها من خلال المواقف المعلنة والخطوات اللاحقة، وليس عبر التأويلات وحدها.
_الجنوب بين الحضور الشعبي والاستحقاقات المعيشية
على الرغم من أهمية التعبئة السياسية والعسكرية، تظل الأوضاع المعيشية والخدمية للمواطنين جزءًا أساسيًا من تحديات المرحلة. فتماسك الجبهة الداخلية لا يرتبط بالمواقف السياسية وحدها، بل يتأثر أيضًا بقدرة المؤسسات على الاستجابة لاحتياجات المجتمع، وتعزيز الثقة، وتخفيف الضغوط التي تثقل حياة المواطنين.
ومن هنا، تبرز أهمية أن يترافق الحضور الشعبي مع عمل سياسي ومؤسسي منظم، وأن تسهم مختلف القوى الجنوبية في تقليل الخلافات، وتوسيع مساحات التفاهم، وتقديم المصلحة العامة على المناكفات. فتعزيز وحدة الصف يمنح الموقف الجنوبي مساحة أوسع للتحرك، فيما يساعد الاهتمام باحتياجات المواطنين على ترسيخ الثقة بين المجتمع ومؤسساته.
وأن نجاح أي مسار سياسي يتطلب وضوح الأهداف، وتحديد الأولويات، وتقديم خطوات قابلة للقياس، بحيث لا يبقى الزخم الشعبي محصورًا في المناسبات، بل يتحول إلى مشاركة مسؤولة في متابعة القضايا العامة والدفاع عن المطالب المعلنة بالوسائل السلمية والسياسية.
_اختبار المرحلة وما بعدها
تجمع كلمة الرئيس القائد عيدروس بن قاسم الزُبيدي بين التعبئة الشعبية، وإسناد القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، والتحذير من الشائعات، والتأكيد على ضرورة مشاركة الجنوب في أي تسوية تتصل بمستقبله. وتفتح المجال أمام تساؤلات بشأن اتجاه العلاقة مع السعودية، وحدود الاستجابة الإقليمية للمطالب الجنوبية، ومآلات الملفات السياسية المطروحة.
ومع اقتراب مليونية 14 أكتوبر، تتجه الأنظار إلى حجم المشاركة ودلالاتها، وإلى ما ستكشفه المرحلة التالية من مواقف وخطوات عملية. فالمحطة المرتقبة لا تحمل بُعدًا احتفاليًا فحسب، بل تتيح قياس مستوى التفاعل الشعبي مع الرسائل المطروحة، ومدى القدرة على تحويل المطالب إلى مسار سياسي منظم.
ويبقى التحدي الأبرز في الحفاظ على وحدة الصف، وتعزيز الاستقرار، وإدارة الخلافات بحكمة، وتثبيت حضور قضية الجنوب في أي حوار يتناول مستقبله. أما اتجاه العلاقة مع الأطراف الإقليمية، فستحدده المواقف الرسمية والتفاهمات المعلنة والخطوات الملموسة خلال المرحلة المقبلة.
#مليونيه_التعبيه_والاستنفار_الجنوبي




