تقرير خاص يتتبع مسار التصعيد الحوثي.. من تحولات الساحل الغربي إلى خطوط النار الجنوبية

أفادت تقارير حديثة عن تعزيزات من قوات العمالقة الجنوبية ودرع الوطن إلى جبهات الساحل، بالتزامن مع استمرار الضربات والاشتباكات حول المخا وذوباب.
وفي المقابل، أظهرت تطورات الساحل الغربي أن خطر الحوثيين لم يعد مرتبطًا بجبهة منفردة، إذ أسفرت العمليات الأخيرة عن تغيرات واسعة في خارطة السيطرة وصولًا إلى مناطق استراتيجية قرب باب المندب، الأمر الذي رفع مستوى المخاوف من امتداد المعارك إلى خطوط جديدة.
من عدن 2015 إلى حدود الجنوب اليوم
ولعل أكثر ما يمنح التطورات الحالية دلالتها أن الجنوب سبق أن واجه تجربة مشابهة قبل أكثر من عقد.
ففي أكتوبر 2014، وبعد سيطرة الحوثيين على صنعاء، أعلن عبدالملك الحوثي استعداد جماعته للتنازل عن حصتها الوزارية لصالح الجنوبيين، في خطاب حمل رسائل سياسية هدفت إلى استمالة الجنوب، بحسب ما أوردته تقارير صحفية في حينه.
لكن الأشهر التالية حملت مسارًا مختلفًا؛ إذ اتجهت القوات الحوثية جنوبًا، ووصلت المعارك إلى عدن وعدد من محافظات الجنوب عام 2015، قبل أن تتمكن المقاومة الجنوبية، بدعم من التحالف العربي آنذاك، من وقف التقدم الحوثي وإخراجه من عدن ومناطق جنوبية واسعة.
واليوم، وبعد أكثر من عقد، يعود الخطاب الحوثي مجددًا في ظل متغيرات عسكرية وسياسية جديدة، بينما تقف أمام أبناء الجنوب تجربة سابقة لم تعد بحاجة إلى كثير من الشرح.
خطاب يتغير.. والخطر واحد
ما بين خطاب 2014 وما تشهده الجبهات في 2026، تبدو الرسائل السياسية أقل أهمية من الوقائع التي تفرضها خطوط النار.
فالتجربة الجنوبية مع الحوثيين تقول إن المعركة لا تبدأ بالضرورة عند وصول القوات إلى المدن؛ بل تبدأ في اللحظة التي يجري فيها اختبار الحدود، واستنزاف الجبهات، وإضعاف خطوط الدفاع، وخلق حالة من الانقسام أو التراخي تسمح بتحويل الضغط العسكري إلى اختراق ميداني.
ولهذا فإن ما يجري في الصبيحة وكرش ويافع وكهبوب لا يمكن قراءته باعتباره مواجهات منفصلة، فالجبهات الجنوبية مترابطة بحكم موقعها الجغرافي واتصالها بمسار المعارك في الساحل الغربي.
الجبهة الداخلية.. الوجه الآخر للمعركة
وفي ظل هذا المشهد، تبدو الجبهة الداخلية جزءًا لا يقل أهمية عن خطوط المواجهة. فالقوات التي تقف في الجبال والممرات والحدود تحتاج إلى بيئة سياسية ومجتمعية متماسكة، وإلى خطاب مسؤول لا يستخف بحجم التهديد ولا يسمح للخلافات الثانوية بأن تتحول إلى ثغرات في لحظة تتطلب أعلى درجات اليقظة.
وتفرض طبيعة المرحلة على القوى الجنوبية، بمختلف مواقعها، التعامل مع الخطر الحوثي باعتباره تهديدًا عسكريًا وأمنيًا متحركًا، لا يلتزم بحدود جبهة واحدة ولا يتوقف عند خطوط السيطرة الحالية.
فالمعادلة التي ترسمها الجغرافيا واضحة: كلما حاول الحوثيون الاقتراب من الحدود الجنوبية، وجدوا أمامهم جبهات مستعدة للتصدي؛ وكلما تغيرت خريطة المعارك في الساحل الغربي، بقيت خطوط الصبيحة ويافع وكرش وكهبوب في حالة استعداد لمنع انتقال النار إلى الجنوب.
ما أشبه الليلة بالبارحة
قبل أكثر من عقد، قيل للجنوبيين كلام سياسي عن الشراكة والمشاركة، ثم جاءت المعارك لتكشف الوجه الآخر للمشروع الحوثي.
واليوم، وبينما تتغير العناوين والظروف، تبقى الذاكرة الجنوبية حاضرة.
فالجنوبيون الذين واجهوا الحوثيين في عدن عام 2015، ويواجهونهم اليوم على تخوم الصبيحة ويافع وكرش وكهبوب، ينظرون إلى ما يجري من زاوية مختلفة: الاختبار الحقيقي ليس في الخطاب الذي يقال، وإنما في الموقف عندما تتقدم البنادق نحو الأرض.
ومن هنا، فإن المعركة الحالية تفرض قدرًا أكبر من الوعي والتماسك، وتضع على عاتق الجميع مسؤولية مساندة القوات المرابطة في الجبهات، ورفع مستوى الجاهزية، وعدم السماح للخلافات الداخلية أو الخطابات التي تقلل من حجم الخطر بأن تتحول إلى عامل ضعف في مواجهة تهديد يتغير شكله ويتسع نطاقه.
لقد تغيرت خرائط الحرب أكثر من مرة، وتبدلت مواقع السيطرة، لكن شيئًا واحدًا ظل ثابتًا: عندما تصل المعركة إلى حدود الجنوب، تكون الجبهة الجنوبية أمام اختبار جديد.



