مجلس الأمن يدعو إلى تحرك دولى لمواجهة تنظيم داعش واستغلاله للتقنيات الحديثة

حذر مسؤولون بالأمم المتحدة وأعضاء فى مجلس الأمن من استمرار التهديد الذى يمثله تنظيم داعش وفروعه للسلم والأمن الدوليين، مؤكدين أن التنظيم الإرهابى احتفظ بقدرته على التكيف وإعادة توزيع موارده واستغلال النزاعات والتقنيات الحديثة، رغم الضربات التى تعرضت لها قياداته وتراجع قدرته على إدارة عملياته بصورة مركزية.
جاء ذلك خلال جلسة عقدها مجلس الأمن، مساء الأربعاء، لبحث التهديدات الناجمة عن الأعمال الإرهابية، واستعراض التقرير الاستراتيجي نصف السنوي الثالث والعشرين للأمين العام بشأن أنشطة تنظيم «داعش» والجهود التي تبذلها الأمم المتحدة لمساعدة الدول الأعضاء على مكافحته.
الأمم المتحدة تحذر من تطور أساليب داعش
وقالت رئيسة مكتب وكيل الأمين العام في مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، أوغولجيرين نيازبردييفا، إن العمليات المستمرة لمكافحة الإرهاب نجحت في إرباك القيادة العليا للتنظيم وتقليص قدرته على توجيه عملياته مركزياً، إلا أنه واصل التكيف من خلال هيكل أكثر تشتتاً وشبكات عابرة للحدود تجمعها أيديولوجيا مشتركة.
وأضافت أن التنظيم وفروعه يستغلون البيئات الأمنية الهشة والنزاعات المسلحة الممتدة، إلى جانب التطورات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي والاتصالات المشفرة والأصول الافتراضية والطائرات غير المأهولة وغيرها من التقنيات الرقمية.
وأوضحت أن التهديد أصبح أكثر حدة في أجزاء من القارة الإفريقية، ولا سيما منطقة الساحل وحوض بحيرة تشاد، مشيرة إلى أن تنظيم «داعش في غرب إفريقيا» أصبح أكثر فروع التنظيم نشاطاً على مستوى العالم، فيما حافظت فروع أخرى على قدرتها على العمل في جمهورية الكونغو الديمقراطية رغم الضغوط الأمنية المتواصلة.
وفي الشرق الأوسط، قالت المسؤولة الأممية إن التطورات السياسية والأمنية في سوريا ما زالت تعيد تشكيل بيئة التهديد، بينما نجحت عمليات مكافحة الإرهاب بالعراق في تقييد قدرات التنظيم بصورة كبيرة، مشددة على ضرورة الحفاظ على المكاسب التي تحققت من خلال بناء مؤسسات قوية وخاضعة للمساءلة، وتعزيز العدالة، ومعالجة الظروف التي قد تسمح بعودة داعش على نطاق أوسع.
كما حذرت من استمرار الخطر الذي يمثله تنظيم «داعش-خراسان»، المتمركز في أفغانستان، باعتباره أحد أكثر فروع التنظيم قدرة على تنفيذ العمليات، في ظل استغلاله الاضطرابات المحلية لتجنيد عناصر جديدة والتخطيط لهجمات داخل المنطقة وخارجها.
وأكدت نيازبردييفا أن أي دولة لا تستطيع مواجهة التهديد بمفردها، داعية إلى تحويل التعاون الدولي إلى إجراءات عملية تشمل تبادل المعلومات، وإدارة الحدود، والتعاون في مجال العدالة الجنائية، والتحقيقات المالية، وتنسيق الاستجابات الأمنية.
مواجهة استغلال الجماعات الإرهابية للتكنولوجيا
وشددت على ضرورة تعزيز الحوكمة والرقابة والتعاون مع شركات القطاع الخاص لمواجهة الاستخدام المتزايد للتكنولوجيا من جانب الجماعات الإرهابية، مع ضمان استناد جميع إجراءات مكافحة الإرهاب إلى القانون الدولي وحقوق الإنسان والقانون الإنساني وقانون اللاجئين.
من جانبها، قالت نائبة المديرة التنفيذية للمديرية التنفيذية للجنة مكافحة الإرهاب، كارمن كانتور، إن داعش وفروعه ظلوا قادرين على الصمود والتكيف خلال الأشهر الستة الماضية، موضحة أن الدعاية عبر منصات التواصل الاجتماعي تحولت إلى أداة عملياتية تستخدم لتجنيد المؤيدين وتعبئة الموارد.
وحذرت من أن التهديدات الإرهابية أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على شبكات لامركزية، ومن استمرار أوجه القصور في التعامل مع الصلات بين الإرهاب والجريمة المنظمة، فضلاً عن تزايد استخدام الطائرات غير المأهولة وتحويلها إلى أدوات هجومية.
ونقلت عن المديرية التنفيذية قولها بأنها تواصل التعاون مع الدول لمنع الجماعات الإرهابية من الحصول على أنظمة الطائرات المسيّرة، وتعزيز الأمن البحري والاتصال بقواعد البيانات الدولية، وتحسين قدرات رصد تحركات الإرهابيين وتعطيلها.
وخلال المناقشة، احتلت إفريقيا جانباً رئيسياً من مداخلات أعضاء مجلس الأمن، إذ دعا ممثل الصومال إلى استجابة أكثر مرونة ووحدة لدعم الدول الأفريقية التي تتحمل الجزء الأكبر من التهديد، مؤكداً أن الوقاية يجب أن تظل حجر الأساس في الاستراتيجية الدولية، من خلال معالجة الفقر والبطالة وعدم الاستقرار السياسي وغيرها من عوامل التطرف.
وطالبت جمهورية الكونغو الديمقراطية بزيادة الدعم الدولي لجهود مكافحة الإرهاب في القارة، محذرة من أن أنشطة الجماعات المسلحة، ومن بينها «القوات الديمقراطية المتحالفة»، تمثل واقعاً يومياً يهدد السكان وسلطة الدولة واستقرار منطقة البحيرات العظمى.
وأشار ممثل ليبيريا إلى أن أفريقيا جنوب الصحراء باتت تتحمل أكثر من نصف الوفيات الناجمة عن الإرهاب عالمياً، محذراً من أن الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل لم تعد تسعى فقط إلى تعطيل مؤسسات الحكم، بل إلى الحلول محلها.
ودعت باكستان إلى تعزيز إدارة الحدود والتعاون بين الدول وتعطيل تمويل الإرهاب، بما في ذلك من خلال المحافظ الرقمية والأصول الافتراضية والعملات المشفرة، مؤكدة أن التهديد العابر للحدود لا يمكن لأي دولة مواجهته بصورة منفردة.
كما دعا عدد من أعضاء المجلس، بينهم بنما ولاتفيا وكولومبيا والدنمارك، التي تتولى رئاسة المجلس خلال أغسطس، إلى توجيه مزيد من الدعم إلى الدول والمناطق الأكثر تضرراً، وتعزيز القدرة على مواجهة استغلال الإرهابيين للتقنيات الرقمية المتقدمة.
وشكل الوضع في سوريا محوراً رئيسياً للنقاش، حيث أشادت فرنسا وبريطانيا بالجهود السورية في مكافحة داعش، واعتبرتا أن المرحلة السياسية الجديدة توفر فرصة لتحقيق مزيد من الاستقرار والأمن، مع التأكيد في الوقت نفسه على ضرورة استمرار اليقظة في ظل هشاشة الأوضاع السياسية والأمنية.
وأعربت الصين واليونان عن القلق إزاء مصير أشخاص مرتبطين بالتنظيمات الإرهابية لم يعد مكان وجودهم معروفاً بعد إغلاق مخيم الهول، ودعتا إلى إعطاء الأولوية لإعادة المقاتلين الإرهابيين الأجانب وأسرهم إلى دولهم، وتأهيلهم وإعادة إدماجهم، ولا سيما الأطفال، لمنع ظهور مصادر جديدة لعدم الاستقرار.
وعرضت الولايات المتحدة أولويات استراتيجيتها الوطنية الجديدة لمكافحة الإرهاب، والتي تشمل مكافحة عصابات المخدرات والمنظمات الإجرامية العابرة للحدود والتنظيمات الإرهابية التقليدية والمتطرفين اليساريين العنيفين، مؤكدة أهمية مواصلة التصدي لداعش والقاعدة وفروعهما.
وفي المقابل، حذرت روسيا من تأثير المعايير المزدوجة والخلافات السياسية على فعالية التعاون الدولي في مكافحة الإرهاب، ودعت إلى مراعاة الخصوصيات الوطنية للدول وعدم فرض نماذج موحدة عليها.
وتزامنت الجلسة مع مرور عشرين عاماً على اعتماد استراتيجية الأمم المتحدة العالمية لمكافحة الإرهاب، حيث أكد المشاركون ضرورة استمرار تطويرها لمواكبة التحولات التكنولوجية والجيوسياسية المتسارعة.
وخلصت المناقشات إلى أن الضغوط الأمنية والعسكرية نجحت في إضعاف القيادة المركزية لداعش في عدد من المناطق، لكنها لم تقض على قدرته على التكيف والعمل من خلال فروع محلية وشبكات لامركزية، ما يستدعي الجمع بين التدابير الأمنية والتعاون الدولي ومعالجة الأسباب الجذرية للتطرف، وفي مقدمتها النزاعات الممتدة وضعف الحوكمة والفقر والتهميش وغياب الفرص الاقتصادية.




