الرئيسيــةتقـــارير
الجنوب العربي.. مسار شعب رغم المؤامرات والتحديات حتى تحقيق الهدف المنشود

تقرير / رامي الردفاني
منذ إعلان الوحدة اليمنية عام 1990، دخل الجنوب العربي مرحلة سياسية معقدة حملت في بداياتها وعوداً بقيام شراكة وطنية متوازنة بين دولتين ذاتي سيادة، غير أن تلك الوعود سرعان ما انهارت أمام واقع مغاير فرضته مراكز النفوذ في صنعاء، التي تعاملت مع الوحدة باعتبارها مشروع ضم وإلحاق، لا اتفاقاً قائماً على الشراكة والتكافؤ واحترام الخصوصية السياسية والتاريخية للجنوب.
ومع اندلاع حرب صيف 1994، تحولت العلاقة بين الطرفين إلى واقع فرض بالقوة العسكرية، لتبدأ مرحلة طويلة من الهيمنة السياسية والاستهداف المنظم لمؤسسات الجنوب وهويته الوطنية، وهو ما شكّل نقطة تحول مفصلية في الوعي الجنوبي، ورسّخ قناعة شعبية واسعة بأن مشروع الوحدة فقد مضمونه منذ اللحظة التي اجتاحت فيها القوات العسكرية العاصمة عدن وأسقطت مؤسسات الدولة الجنوبية بالقوة.
وعلى امتداد العقود الثلاثة الماضية، واجه الجنوب سلسلة من السياسات التي اعتبرها الجنوبيون محاولة ممنهجة لتفكيك بنيتهم السياسية والإدارية والاقتصادية. فقد جرى إقصاء عشرات الآلاف من الكوادر المدنية والعسكرية الجنوبية من وظائفهم، وإبعاد شخصيات أكاديمية وإدارية من مواقع القرار، في إطار عملية إعادة تشكيل للمؤسسات العامة بما يخدم نفوذ القوى المتحكمة في صنعاء.
كما شهدت المحافظات الجنوبية تراجعاً واسعاً في مستوى الخدمات الأساسية، وسط انهيار تدريجي للبنية التحتية في قطاعات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، الأمر الذي فاقم الأوضاع المعيشية وأدخل ملايين المواطنين في دوامة من الأزمات المتلاحقة، في وقت كانت فيه ثروات الجنوب النفطية والبحرية تمثل أحد أهم الموارد الاقتصادية في البلاد.
وفي الجانب الاقتصادي، يرى مراقبون جنوبيون أن الجنوب تعرض لعمليات استنزاف واسعة طالت موارده الاستراتيجية، خصوصاً في محافظتي حضرموت وشبوة الغنيتين بالنفط والغاز، إضافة إلى الموانئ الحيوية وفي مقدمتها ميناء عدن، الذي كان يعد أحد أبرز الموانئ التجارية في المنطقة قبل أن تتراجع مكانته خلال سنوات ما بعد الحرب.
ويقول سياسيون جنوبيون إن الثروات الجنوبية تحولت خلال تلك المرحلة إلى مراكز نفوذ مرتبطة بقيادات قبلية وعسكرية نافذة، بينما حُرم أبناء الجنوب من الاستفادة الحقيقية من عائدات مواردهم، ما عمّق من حالة السخط الشعبي، ودفع بالحراك الجنوبي إلى تصعيد مطالبه السياسية وصولاً إلى المطالبة باستعادة الدولة الجنوبية كاملة السيادة.
وفي الملف الأمني، بقيت تداعيات حرب 1994 حاضرة في الذاكرة الجمعية للجنوبيين، خصوصاً مع ما رافق تلك المرحلة من خطاب تعبوي وفتاوى تكفيرية استخدمت لتبرير الحرب ضد الجنوب، أعقبها مسلسل من القمع والاعتقالات والاغتيالات التي استهدفت قيادات ونشطاء في الحراك الجنوبي خلال السنوات اللاحقة.
ومع تصاعد التحديات الأمنية والسياسية، برزت القوات المسلحة الجنوبية كقوة فاعلة على الأرض، لعبت دوراً محورياً في مواجهة التنظيمات الإرهابية وحماية المحافظات الجنوبية من الفوضى، وهو ما عزز حضورها الشعبي باعتبارها مؤسسة وطنية تدافع عن قضية الجنوب وتطلعات أبنائه.
وفي هذا السياق، تمكن المجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة عيدروس الزبيدي من ترسيخ حضوره السياسي داخلياً وخارجياً، مستنداً إلى قاعدة شعبية واسعة ترى فيه ممثلاً للمشروع الوطني الجنوبي، وحاملاً لتطلعات استعادة الدولة وبناء مؤسسات حديثة قائمة على الشراكة والاستقرار وسيادة القانون.
وخلال السنوات الأخيرة، كثف المجلس الانتقالي تحركاته السياسية والدبلوماسية لإيصال القضية الجنوبية إلى المحافل الإقليمية والدولية، بالتوازي مع جهود القوات الجنوبية في تثبيت الأمن ومكافحة الإرهاب، وهي خطوات يعتبرها أنصار القضية الجنوبية تحولاً استراتيجياً في مسار نضالهم السياسي والعسكري.
ويرى مراقبون أن حجم التحولات التي شهدها الجنوب، وحالة الاصطفاف الشعبي خلف قياداته السياسية والعسكرية، يعكسان اتجاهاً متصاعداً نحو إعادة صياغة المشهد السياسي في المنطقة، في ظل قناعة متنامية لدى قطاعات واسعة من الجنوبيين بأن استعادة الدولة الجنوبية تمثل الخيار الوحيد لإنهاء عقود من الصراع والمعاناة.
وبين إرث الحرب وتحديات الحاضر، يواصل الجنوب رسم ملامح مرحلة جديدة عنوانها التمسك بالهوية الوطنية الجنوبية، والسعي نحو بناء دولة مستقلة ذات سيادة، قادرة على حماية مصالح شعبها واستعادة دورها السياسي والاقتصادي في المنطقة، وسط تأكيدات شعبية متواصلة بأن قضية الجنوب باتت اليوم أكثر حضوراً وترسخاً من أي وقت مضى.




