الجنوب العربي في مواجهة مشاريع الفوضى.. كيف أصبحت عدن هدفاً لحرب سياسية واقتصادية وأمنية منظمة؟

منارة عدن/مريم بارحمة
تشهد العاصمة عدن ومحافظات الجنوب العربي مرحلة شديدة الحساسية والتعقيد، في ظل تصاعد الأزمات السياسية والاقتصادية والخدمية بصورة غير مسبوقة، بالتزامن مع تحركات عسكرية مثيرة للجدل يراها قطاع واسع من أبناء الجنوب محاولة منظمة لإعادة إنتاج الفوضى وضرب حالة الاستقرار التي تحققت خلال السنوات الأخيرة بفضل تضحيات القوات المسلحة الجنوبية.
فبعد سنوات من الحرب والإرهاب والانهيار الأمني، استطاعت القوات الجنوبية أن تفرض معادلة جديدة داخل عدن ومحافظات الجنوب، وأن تنجح في تثبيت الأمن والاستقرار ومواجهة التنظيمات المتطرفة التي حولت المدينة في مراحل سابقة إلى ساحة مفتوحة للاغتيالات والتفجيرات والصراعات المسلحة. غير أن التطورات الأخيرة أعادت إلى الواجهة تساؤلات خطيرة حول طبيعة المشاريع التي تستهدف الجنوب العربي، وحول الجهات التي تسعى لإغراقه مجدداً في دوامة الفوضى السياسية والأمنية.
ويرى مراقبون أن ما يجري اليوم لا يمكن عزله عن التطورات السياسية المتعلقة بـ”قضية الجنوب” وحضورها المتنامي إقليمياً ودولياً، خصوصاً بعد النجاحات السياسية التي حققها المجلس الانتقالي الجنوبي العربي خلال السنوات الماضية، باعتباره الحامل السياسي الرسمي لتطلعات شعب الجنوب العربي وقضيته الوطنية.
ـاستهداف مباشر للقوات المسلحة الجنوبية
خلال الفترة الأخيرة تصاعد الحديث عن تغييرات عسكرية وتحركات لإعادة تموضع بعض الوحدات الأمنية والعسكرية بعيداً عن العاصمة عدن، بالتزامن مع إدخال تشكيلات وقيادات جديدة إلى المدينة، وهو ما أثار حالة واسعة من القلق والغضب داخل الشارع الجنوبي.
وتعتبر القوى الجنوبية أن هذه التحركات ليست مجرد ترتيبات عسكرية طبيعية، بل جزء من مشروع متكامل يستهدف تفكيك المنظومة الأمنية الجنوبية وإضعاف القوات التي شكلت خلال السنوات الماضية صمام الأمان الحقيقي للعاصمة عدن وبقية محافظات الجنوب العربي.
فالقوات الجنوبية لم تكن مجرد تشكيلات عسكرية عادية، بل تحولت إلى رمز وطني لدى قطاع واسع من أبناء الجنوب، بعدما خاضت معارك شرسة ضد تنظيمي القاعدة وداعش، وقدمت آلاف الشهداء والجرحى في سبيل حماية المدن الجنوبية من الإرهاب والفوضى.
ويؤكد محللون جنوبيون أن أي محاولة لإضعاف هذه القوات أو إبعادها عن العاصمة عدن تمثل استهدافاً مباشراً لأمن الجنوب واستقراره، وفتحاً للأبواب أمام عودة التنظيمات المتشددة والخلايا الإرهابية التي تنتظر الفرصة لإعادة التموضع من جديد.
ـعدن.. حرب الخدمات وتفكيك الاستقرار
في موازاة التصعيد العسكري والسياسي، يعيش المواطن الجنوبي أوضاعاً معيشية شديدة القسوة نتيجة الانهيار الاقتصادي المتسارع والتدهور الحاد في الخدمات الأساسية.
فالكهرباء تنقطع لساعات طويلة تجاوزت في بعض الأيام أكثر من ثمان عشرة ساعة يومياً، فيما تتفاقم أزمات المياه والغاز والوقود بصورة مستمرة، بالتزامن مع انهيار العملة المحلية وارتفاع أسعار المواد الغذائية بشكل يفوق قدرة المواطنين على الاحتمال.
لكن الشارع الجنوبي لم يعد ينظر إلى هذه الأزمات بوصفها مجرد إخفاقات حكومية عابرة، بل بات يرى فيها حرباً اقتصادية وخدمية ممنهجة تستهدف إنهاك أبناء الجنوب العربي وكسر إرادتهم السياسية.
ويرى ناشطون جنوبيون أن استخدام الخدمات الأساسية كورقة ضغط سياسي يكشف حجم الاستهداف الذي يتعرض له الجنوب، خصوصاً في ظل استمرار تعطيل الملفات الاقتصادية وتأخير صرف المرتبات وغياب أي حلول حقيقية لمعالجة الانهيار الخدمي.
ويؤكد كثير من أبناء الجنوب أن ما يجري اليوم في عدن وبقية محافظات الجنوب لا يمكن فصله عن محاولات ضرب الحاضنة الشعبية للقوات الجنوبية والمجلس الانتقالي الجنوبي العربي، عبر دفع المواطنين نحو الغضب واليأس والانفجار الشعبي.
ـقضية شعب الجنوب حضور سياسي متصاعد
رغم كل التحديات والأزمات، استطاع المجلس الانتقالي الجنوبي العربي أن يعزز حضوره السياسي والشعبي بصورة لافتة، وأن يفرض قضية الجنوب كواحدة من أبرز القضايا المطروحة على الساحة اليمنية والإقليمية.
فالمجلس الانتقالي الجنوبي العربي تمكن خلال السنوات الماضية من نقل قضية شعب الجنوب من الإطار المحلي إلى الحضور الإقليمي والدولي، مستفيداً من حالة الالتفاف الشعبي الواسعة حول مشروعه السياسي، ومن النجاحات الأمنية والعسكرية التي حققتها القوات الجنوبية على الأرض.
كما برز الرئيس القائد عيدروس بن قاسم الزبيدي، بوصفه أحد أبرز القادة السياسيين الذين يقودون المشروع الوطني الجنوبي في مرحلة معقدة ومليئة بالتحديات، حيث ينظر إليه قطاع واسع من أبناء الجنوب باعتباره رمزاً سياسياً يعبر عن تطلعاتهم نحو استعادة الدولة الجنوبية وبناء مؤسسات قوية قادرة على حماية القرار الجنوبي.
ويؤكد المجلس الانتقالي الجنوبي العربي باستمرار أن الجنوب لا يعادي أحداً، لكنه يرفض أي وصاية سياسية أو محاولات لفرض واقع بالقوة أو عبر سياسات التجويع والفوضى واستهداف مؤسساته العسكرية والأمنية.
ـإعادة تدوير الجماعات المتطرفة
واحدة من أخطر القضايا التي أثارت قلق الشارع الجنوبي مؤخراً تتمثل في الحديث المتزايد عن الدفع بقيادات عسكرية تحوم حولها شبهات التطرف إلى مواقع حساسة داخل المؤسسة العسكرية.
ويرى الجنوبيون أن إعادة تمكين مثل هذه الشخصيات يشكل تهديداً مباشراً للأمن الإقليمي والدولي، خصوصاً أن الجنوب العربي كان قد دفع ثمناً باهظاً في حربه ضد الإرهاب، ونجح بفضل الله ثم بفضل القوات الجنوبية في طرد الجماعات المتشددة من عدد من محافظات الجنوب.
كما يحذر محللون من أن أي محاولة لإعادة إنتاج نفوذ الجماعات الإرهابية داخل الوحدات العسكرية ستؤدي إلى تقويض كل الإنجازات الأمنية التي تحققت خلال السنوات الماضية، وستمثل خطراً مباشراً على أمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر وخليج عدن.
ويؤكد الشارع الجنوبي أن استهداف القوات الجنوبية اليوم يصب بصورة مباشرة في مصلحة التنظيمات الإرهابية التي هُزمت على أيدي أبناء الجنوب، وأن أي إضعاف لهذه القوات سيعيد المنطقة إلى مربع الفوضى والعنف.
ـالجنوب العربي بين الاستقرار والاستهداف
يرى كثير من أبناء الجنوب أن العاصمة عدن أصبحت اليوم عنواناً سياسياً لـ قضية الجنوب، ولهذا تتعرض بصورة مستمرة لمحاولات الاستهداف السياسي والاقتصادي والأمني.
فبعد أن تحولت المدينة إلى مركز للحضور السياسي الجنوبي، وإلى رمز للمشروع الوطني الذي يقوده المجلس الانتقالي الجنوبي العربي، بدأت تتزايد الضغوط والأزمات بصورة متزامنة، الأمر الذي يراه الجنوبيون جزءاً من مخطط لإرباك المشهد وضرب حالة التماسك الشعبي.
كما يؤكد ناشطون جنوبيون أن الحرب على الجنوب لم تعد تُدار بالدبابات والسلاح فقط، بل عبر الاقتصاد والخدمات والإعلام ومحاولات تفكيك المؤسسات الأمنية والعسكرية الجنوبية.
وفي المقابل، يواصل الشارع الجنوبي إظهار حالة متزايدة من الوعي السياسي، حيث بات كثير من المواطنين يدركون طبيعة التحديات التي تستهدف الجنوب العربي، ويعتبرون أن ما يجري هو معركة تتعلق بالهوية والمستقبل والسيادة الوطنية.
ـالقوات الجنوبية إنجازات صنعت الأمن
لا يمكن الحديث عن المشهد الجنوبي الحالي دون التوقف أمام الدور الذي لعبته القوات المسلحة الجنوبية في تثبيت الأمن والاستقرار داخل عدن ومحافظات الجنوب العربي.
فبعد سنوات من الفوضى والاغتيالات والعمليات الإرهابية، نجحت هذه القوات في فرض حالة من الاستقرار النسبي، وتأمين مدن الجنوب، وملاحقة الخلايا الإرهابية التي كانت تنشط بصورة واسعة في عدد من محافظات الجنوب.
كما تمكنت القوات الجنوبية من خوض معارك شرسة ضد المليشيات الحوثية والجماعات المتشددة، وقدمت تضحيات كبيرة من أجل حماية الجنوب وأمنه القومي.
ولهذا، ينظر أبناء الجنوب إلى هذه القوات باعتبارها الدرع الحصين الذي حمى المدن الجنوبية من الانهيار الكامل، ويرفضون أي محاولات لإضعافها أو تفكيكها تحت أي مبررات سياسية أو عسكرية.
ـحرب الاقتصاد والخدمات محاولة لكسر الإرادة الجنوبية
يرى كثير من الجنوبيين أن سياسة إنهاك المواطنين عبر الأزمات الاقتصادية والخدمية أصبحت جزءاً من أدوات الصراع السياسي ضد الجنوب العربي.
فالانهيار المتواصل في الخدمات، والانقطاع المستمر للكهرباء، وتأخير صرف المرتبات، وارتفاع الأسعار، كلها عوامل أسهمت في خلق معاناة يومية خانقة للمواطنين.
لكن في المقابل، يؤكد الشارع الجنوبي أن هذه السياسات لن تنجح في كسر إرادة أبناء الجنوب أو دفعهم للتراجع عن مطالبهم السياسية والوطنية، بل ستزيدهم تمسكاً بحقوقهم وقضيتهم.
ويقول ناشطون إن استخدام التجويع والإفقار كوسائل ضغط سياسي يعكس حجم العجز عن مواجهة المشروع الوطني الجنوبي سياسياً، ولذلك يتم اللجوء إلى صناعة الأزمات وإغراق محافظات الجنوب بالفوضى الاقتصادية والخدمية.
ـالوعي الشعبي الجنوبي يتصاعد
رغم حجم المعاناة، يبدو واضحاً أن الوعي الشعبي في الجنوب العربي بات أكثر إدراكاً لطبيعة المرحلة والتحديات التي تواجهها قضية شعب الجنوب.
فالأزمات المتلاحقة لم تؤدِ إلى انهيار الحاضنة الشعبية للمجلس الانتقالي الجنوبي العربي أو القوات الجنوبية، بل عززت قناعة كثير من المواطنين بأن ما يجري هو استهداف منظم للمشروع الوطني الجنوبي ومؤسساته الأمنية والعسكرية.
كما يبرز اليوم خطاب شعبي متصاعد يؤكد أهمية الحفاظ على وحدة الصف الجنوبي وتعزيز التماسك الداخلي في مواجهة محاولات إغراق الجنوب بالفوضى والانقسامات.
ويرى مراقبون أن هذا الوعي الشعبي يمثل أحد أهم عوامل قوة الجنوب في المرحلة الحالية، خصوصاً في ظل إدراك قطاع واسع من أبناء الجنوب لطبيعة الصراع القائم وأهدافه السياسية.
ـالجنوب ومعادلة الأمن الإقليمي
لم تعد قضية الجنوب شأناً محلياً فحسب، بل أصبحت مرتبطة بصورة مباشرة بأمن المنطقة والممرات البحرية الدولية.
فالجنوب العربي يطل على واحد من أهم خطوط الملاحة في العالم، وأي اضطراب أمني فيه سينعكس بصورة مباشرة على أمن البحر الأحمر وخليج عدن والمنطقة بأسرها.
ولهذا، يرى الجنوبيون أن استقرار الجنوب لا يخدم أبناءه فقط، بل يمثل ضرورة إقليمية ودولية، وأن دعم القوات الجنوبية ومؤسسات الجنوب الوطنية هو جزء أساسي من معركة مكافحة الإرهاب وحماية الأمن البحري.
كما يحذر محللون من أن أي محاولات لإضعاف القوات الجنوبية أو إعادة تمكين الجماعات المتشددة ستؤدي إلى نتائج خطيرة تتجاوز حدود الجنوب إلى الإقليم بأكمله.
ـمستقبل الجنوب بين الصمود والتحديات
رغم كل الضغوط السياسية والعسكرية والاقتصادية، يواصل الجنوب العربي التمسك بمشروعه الوطني وبحقه في بناء مؤسساته وحماية أمنه واستقراره.
فـ”قضية شعب الجنوب” لم تعد مجرد قضية سياسية تقليدية، بل تحولت إلى قضية هوية ووجود ومستقبل بالنسبة لقطاع واسع من أبناء الجنوب.
وفي ظل استمرار الأزمات ومحاولات الاستهداف، تبدو المرحلة المقبلة شديدة الحساسية، لكن المؤشرات القادمة من الشارع الجنوبي تؤكد أن حالة الصمود الشعبي ما تزال قوية، وأن محاولات فرض الفوضى أو كسر الإرادة الجنوبية لن تنجح.
ويبقى الرهان الأكبر اليوم على قدرة القوى الجنوبية، وفي مقدمتها المجلس الانتقالي الجنوبي العربي والقوات المسلحة الجنوبية، على تعزيز وحدة الصف الجنوبي والحفاظ على المؤسسات الأمنية والعسكرية، ومواصلة العمل السياسي لحماية قضية شعب الجنوب والدفاع عن تطلعاته الوطنية في مواجهة كل التحديات والمؤامرات التي تستهدف الجنوب العربي ومستقبله.




